ساسي سالم الحاج
185
نقد الخطاب الاستشراقي
وهذه النتيجة لها عواقبها الوخيمة على إيمان المسلمين بنبوّة محمد لأن اللّه لم يهزم نبيّا بهذه الصورة المذلّة « 1 » . ونحن نود تأكيد أن هذه الادعاءات والتحليلات ليست صحيحة ، فاللّه وإن وعد نبيّه وأتباعه بالنصر النهائي إلا أنه تركهم يسعون له بالوسائل المعتادة . فإذا صدقوا النيّات ، ودخلوا المعركة بروح معنويّة عالية ، وبقوة مادية معتبرة ، واتخذوا جميع الاحتياطات اللازمة لتحقيق النصر فإن اللّه مؤيّدهم بالنصر . أما إذا كانت تصرّفاتهم عكس ما تمليه الوسائل العادية للانتصار فإنهم لا شك سيلاقون المصير الذي تؤدي إليه هذه الوسائل بداهة . يضاف إلى ذلك أن اللّه أراد اختبار المسلمين وامتحانهم ليتحقق من صدق إيمانهم وليجعل منهم شهداء وصدّيقين ، وليدفعهم إلى الاعتماد على وسائلهم المادية وقوّتهم المعنوية ولا يتركهم عالة على قدراته وسلطاته اللامتناهية . ونحن لا نمضي في عرض وتحليل وجهة نظر المستشرقين حول معارك الجهاد الأخرى كمعارك الخندق وفتح مكة وحنين وغيرها لأنها خلية من التحاليل والاستنتاجات العلمية من وجهة نظر استشراقية ونود التركيز على النتيجة الأساسية لمعركتي « بدر وأحد » والتي تتحدّد في موقف الرسول تجاه اليهود القاطنين بالمدينة . لأن هذه النتيجة كانت مثار جدال وتحليل ونقاش من قبل المستشرقين تستحق منّا وقفة لبيان آرائهم وشبهاتهم حولها ثم الرد عليها وتفنيدها لأنها لا تزال تستخدم إلى يومنا هذا كمثال على موقف المسلمين من اليهود . يعتبر « موير » أن انتصار المسلمين في بدر وتقوية مركز الرسول الشخصي بالمدينة قادا محمدا إلى التحرّك ضد اليهود وضد المشركين المدنيين الذين عارضوا دعوته . وكان أول دم سفك بعد بدر هو لامرأة تدعى « عصماء بنت مروان » التي كانت تهجو الرسول ، وتندد بتصرّفاته وتنكر رسالته ، وتلا ذلك اغتيال اليهودي « أبو عفك » الذي كان معارضا نشطا للدعوة الإسلامية ، والذي نظم أبياتا من الشعر يهجو فيها الرسول وأصحابه . ثم اتخذت الإجراءات القمعية ضد بني قينقاع الذين تقول عنهم الروايات الإسلامية : إنهم نقضوا العهد الذي أبرموه مع الرسول . ويشكك « موير » في هذا التبرير . ويورد الروايات الإسلامية التي تناولت كيفية ذهاب الرسول إلى بني قينقاع بعد معركة بدر ، وكيف اجتمع بسادتهم وطلب منهم الدخول في الإسلام قبل أن يحل بهم
--> ( 1 ) RODINSON ( M . ) Mahomet , op . cit , p . 215 .